الزخارف الجصية: هوية الأحساء المحفورة، وكيف نُعيد لبسها

قبل أي شيء، ما هي الزخارف الجصية؟ ببساطة، هي نقوش تُحفر في الجصّ — نوع من الجبس المحلي — لتزيّن جدران البيوت القديمة ونوافذها في الأحساء: أشكال هندسية، دوائر تشبه الشمس، مثلثات متتابعة، وفتحات مخرّمة صغيرة.
والطريقة نفسها بسيطة ولافتة. الحرفي — ويسمّونه «الجصّاص» — يجهّز الجصّ ويشكّله وهو طريّ، ثم يحفر نقوشه بيده قبل أن يجفّ، وغالبًا بلا قوالب، بالخبرة والعين فقط. لهذا لا تجد بيتين متطابقين؛ في كل جدار أثرُ يدٍ تختلف عن الأخرى.
لكن الأهم أن هذه النقوش ما كانت للزينة وحدها. الأحساء واحة حارّة، والفتحات المخرّمة لها شغل حقيقي: تكسر حرّ الشمس، وتُدخل الهواء، وتحفظ خصوصية البيت — أهله يرون الخارج دون أن يراهم أحد. جمال ووظيفة في آنٍ واحد، وهذا سرّ قيمتها.
ومع تكرار النجوم والوريدات والأقواس على الأبواب والنوافذ والمحاريب، صارت هذه الأشكال أشبه بتوقيع. تعرف البيت الأحسائي من جصّه مثل ما تعرف خط يد صاحبك. ما بقيت مجرد زخرفة… صارت هوية.
وأين الأزياء من هذا؟
هنا يبدأ ما يهمّنا في نسوج. الفكرة خلف الجصّ هي نفسها فكرتنا في اللبس: الزخرفة ليست شيئًا نضيفه فوق القطعة، بل جزء من معناها. الأحسائي حفر هويته على جداره، ونحن نحاول أن نأخذ روح هذه النقوش — تماثلها، وإيقاعها الهندسي، وتوازنها بين الفراغ والملء — ونترجمها تطريزًا أو نقشًا أو تفصيلة في القطعة.
وفيها درس في الأناقة نؤمن به: النقش المخرّم يستر ويكشف في الوقت نفسه، ويتزيّن بلا مبالغة. أناقة هادئة، لا تصرخ، لكن لا تُنسى.
فالمرة القادمة التي ترى فيها نقشًا جصيًّا، لا تعامله كماضٍ جميل وانتهى. هو أرشيف بصري كامل، يستحقّ أن نلبسه من جديد.
